أحمد فارس الشدياق
230
الواسطة في معرفة أحوال مالطة
لحرف أسقطه في الكلام ، وللضابط أن يبيت الناس في مضاجعهم ، وللشرطي أن يقبض على أيّ شخص كان ، ولضابط العسكر أن يخترط سيفه على أيّ عنق سنحت له ، وللبطرك أن يحرم أي شخص كان من رعيته ، حتى لا يعود لأحد من أقاربه وأهل بيته استطاعة على مخاطبته ومبايعته ، وإلى من المشتكى وأين النصير ، وأين المجير ؟ فيا ليت شعري متى نصير نحن ولد آدم بشرا كهؤلاء البشر ، ومتى نعرف الحقوق الواجبة لنا وعلينا ؟ أنخال أن معنى التمدن هو أن يكون الناس في مدينة وفيها ذئاب وسباع ، كلا ، ثم كلّا جير أن اجتماع الذئب والخروف في مرعى واحد ليوجب على اليهود أن يؤمنوا بأن المسيح قد جاء . ومن ذلك تنشيط أولادهم إلى الأشغال وتمرينهم على ما يكسبهم وإيّاهم الرزق الكافي والمواظبة على الأعمال ، والصبر على ما يتعاطونه جلّ أو حقر ، فإنّهم لا يملّون من السعي ، ولا يرون في الكسل راحة ، ولا يقول أحدهم : إني كبرت عن تعلّم شيء ، فلا يزالون دائبين كالنمل ما دامت فيهم نسمة تحرك ، ومع كل هذا التجلّد والتحمّل فمتى ضيم أحدهم ، أو سقط شرفه أو مال نجمه ، فأهون شيء عليه نحر عنقه . وذلك عندي من جملة الأفعال المتناقضة في الطبع البشري ، وجلّ سعيهم في شبابهم إنّما هو لتحصيل ما يهنئهم في شيخوختهم حتى يمكن لهم تربية أولادهم ، فلا يحتاجون إلى التكفّف ، أو إلى ملازمة المستشفيات والملاجئ المعدّة للعاجزين ، وكلّ منهم يعمل بقول الشاعر : قليل المال تصلحه فينمى * ولا يبقى الكثير على الفساد فأما قول عروة بن أذينة : لقد علمت وما الإسراف من خلقي * أن الذي هو رزقي سوف يأتيني أسعى له فيعنّيني تطلّبه * وإن أقمت أتاني لا يعنّيني فإنه يعدّ عندهم من الأماني الفارغة الباعثة على التواني ، غير أن حب التناهي غلظ ، فإنّ تعليق العبد توفيقه ونجاحه بالكلية على سعيه وكدّه لا يخلو من ازدراء